أبو الحسن الشعراني

199

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

النبوة قبيحا ، وجاز الكذب عليه تعالى في الوعد والوعيد . الثالث : لو لم يكونا ذاتيين لزم من الحكم بهما الترجيح من غير مرجح ، ومجوزه خارج عن الفطرة الإنسانية ، أو غير قادر على بيان ما يعتقده . الرابع : الحكم بالحسن والقبح مسبوق بمعرفة أهل اللغة معناهما قبل الشرع ، ولا يمكن ذلك إلا إذا كان المعنى مرتكزا في ذهنهم قبل حكم الشارع . احتجوا بوجوه : منها قوله تعالى : ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا . « 1 » ومنها أن الحسن والقبح يختلفان باختلاف الأزمان والبلاد كقبح ذبح الحيوان عند أهل الهند دون المسلمين ، وقبح التزويج للعلماء عند النصارى دون المسلمين . ومنها أنهما لو كانا ذاتيّين لم يجز نسخ الأحكام في الشرائع . ومنها انه لو قال « لأكذبن غدا » ، فان وفى بعهده وكذب لزم كون كذبه حسنا لوفائه بما وعد ، وقبيحا لأنه كذب ، ولو كانا وصفين ثابتين لزم اجتماع الضدين في فعل واحد ، فعلم منه أن هذين ليسا بوصفين ثابتين للأفعال من حيث هي . والجواب عن الآية الشريفة أنا لا ندعى إحاطة العقل بجميع وجوه محاسن الأفعال ومقابحها ، بل هي كالأمور التكوينية ، بعضها تعرف بالضرورة كقبح الظلم ، وقد تعرف بالاستدلال ، وقد لا تعرف بالعقل أصلا كحسن صوم رمضان وهو الأكثر ، ولا يجوز للشارع أن يعذب

--> ( 1 ) - سورة الإسراء ، الآية : 15 .